محمد جمال الدين القاسمي
16
تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )
باب كهفهم بنيانا عظيما . كالخانقاهات المشاهد والمزارات المبنية على الأنبياء وأتباعهم ، و ( إذ ) على ما يظهر لي ، ظرف ل ( اذكر ) مقدرا . والجملة مستأنفة لبيان ختم نبئهم بما جرى بعد مماتهم ، إثر ما أوجز من نبئهم بعد بعثهم والإعثار عليهم . وجعله ظرفا ل أَعْثَرْنا أو لغيره مما ذكروا - ليس فيه قوة ارتباط ولا دقة معنى . وقوله تعالى فَقالُوا تفسير للمتنازع فيه . وقوله تعالى رَبُّهُمْ أَعْلَمُ بِهِمْ جملة معترضة . إما من اللّه ، ردّا على الخائضين في حديثهم من أولئك المتنازعين فيهم على عهده صلى اللّه عليه وسلم من أهل الكتاب ، أو هي من كلام المتنازعين في عهدهم . كأنهم تذاكروا أمرهم العجيب وتحاوروا في أحوالهم ومدة لبثهم . فلما لم يهتدوا أحالوا حقيقة نبيّهم إليه تعالى قالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلى أَمْرِهِمْ أي من المتنازعين ، وهم أرباب الغلبة ونفوذ الكلمة لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِداً أي نصلي فيه ، تبركا بهم وبمكانهم . تنبيه : قال ابن كثير : حكي في القائلين ذلك قولان ( أحدهما ) أنهم المسلمون منهم ( والثاني ) أنهم المشركون . والظاهر أنهم هم أصحاب النفوذ . ولكن هل هم محمودون أم لا ؟ فيه نظر . لأن النبيّ صلى اللّه عليه وسلم قال « 1 » : ( لعن اللّه اليهود والنصارى ، اتخذوا قبور أنبيائهم وصالحيهم مساجد ) يحذّر ما فعلوا . انتهى . وعجيب من تردده في كونهم غير محمودين ، مع إيراده الحديث الصحيح بعده ، المسجل بلعن فاعل ذلك . وهو أعظم ما عنون به على الغضب الإلهي والمقت الرباني . والسبب في ذلك أن البناء على قبر النبيّ والوليّ مدعاة للإقبال عليه والتضرع إليه . ففيه فتح لباب الشرك وتوسل إليه بأقرب وسيلة . وهل أصل عبادة الأصنام إلا ذلك ؟ كما قال ابن عباس في قوله تعالى : وَقالُوا لا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلا سُواعاً وَلا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْراً [ نوح : 23 ] ، قال : هؤلاء كانوا قوما صالحين في قومهم . فلما ماتوا عكفوا على قبورهم ، ثم صوروا تماثيلهم . فلما طال عليهم الأمد عبدوهم . فهؤلاء لما قصدوا الانتفاع بالموتى ، قادهم ذلك إلى عبادة الأصنام . قال الإمام محمد بن عبد الهادي عليه الرحمة ، في كتابه ( الصارم المنكى ) بعد إيراده ما تقدم : يوضحه أن الذين تكلموا في زيارة الموتى من أهل الشرك ، صرّحوا بأن القصد
--> ( 1 ) أخرجه البخاري في : الصلاة ، 55 - باب حدثنا أبو اليمان ، حديث 285 و 286 ، عن عائشة وعبد اللّه بن عباس . وأخرجه مسلم في : المساجد ومواضع الصلاة ، حديث رقم 19 و 22 .